الشيخ محمد آصف المحسني
88
بحوث في علم الرجال
أقول : أمّا القول الأوّل ، فقد أورد عليه بأنّ الوثاقة أمر مشترك بين هؤلاء الأشخاص وبين غيرهم ، فما معنى تخصيصهم بالذكر ؟ وجواب هذا الإيراد عندي واضح ، فإنّ مراد الكشّي ليس هو مجرّد نقل الإجماع على وثاقتهم ، بل مراده نقل الإجماع المذكور عليها مع بيان انقياد العصابة لهم بالفقه والعلم ، بل الأفقهيّة في الجملة ، والمجموع مزية جليلة وفضيلة عظيمة غير مشتركة بينهم وبين غيرهم . بل هذا القول هو المتعيّن بالنّسبة إلى الطّبقة الأوّلى ؛ لعدم وجود ما يتوهّم دلالته على أكثر من الوثاقة أو الصّدق في كلام الكشّي ، وإن شئت فقل : إنّ جملة : تصحيح ما يصحّ عنهم ، المذكورة في حقّ الطّبقتين التّاليتين غير مذكورة في حقّ الطّبقة الأوّلى ، فسائر الأقوال بالنّسبة إليهم تحكّم وتعسّف ، وظنّي أنّ عدّة من الباحثين لم يلتفتوا إلى هذه النّكتة ، فلاحظ . قيل : إنّ قول الكشّي في حقّ الطّبقة الأوّلى نصّ في صحّة رواياتهم ، فإنّ المراد من قولهم : أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين ، تصديقهم في رواياتهم ، لا أنّها ظاهرة في التّوثيق لهم ، ولا لمن قبلهم . أقول : علّة التّصديق هي صدقهم ، وهو لا يكفى لصحّة رواياتهم مطلقا ، بل بمقدار ما يقولون كما صرّح به الكشّي في حقّ الطّبقة الثانية ، حيث قال : وتصديقهم لما يقولون . لا يقال : إنّ ظاهر السّيد الطباطبائي والوحيد - رضوان اللّه عليهما - هو ادّعاء الإجماع على التّصحيح المذكور مطلقا ، حتّى في حقّ الستّة الأوّلى . فإنّه يقال : نعم ، ولكنّه مبنيّ على الغفلة من عبارة الكشّي ، أو اجتهاد منهما ؛ لأجل الأوّلويّة ونحوها ، وعلى كلّ ، ليس هو بحجّة ، وعليه فلا يبعد أن نعمّم هذا القول إلى الطّبقتين التاليتين ، فإنّ المفهوم من كلام الكشّي أفضليّة الستّة الأوّلى من الثانية والثالثة ، فتأمّل . فكيف يستفاد من كلامه زيادة المزية في حقّ غير هؤلاء الستّة ؟ نعم ، قال المحدّث النوري : بل التّعبير بالوثاقة بها - أي : بجملة تصحيح ما يصحّ عنهم - أشبه شيء بالأكل من القفا ، ولفظ ثقة من الألفاظ الدائرة الشّائعة لا داعي للتعبير عنها بما لا ينطبق عليها مدلوله إلّا بعد التّكلّف . « 1 »
--> ( 1 ) . لقائل أن يقول للنوري ما فائدة ذكر التصديق بعد ذكر التّصحيح على زعمك في معقد الإجماع المذكور ؟ ولعلّ الدّاعي للكشّي هو التفنّن في العبارة .